أحمد بن علي القلقشندي

5

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

للعدل وإتماما للفضل إلى أقصى غاية التمهيد والتأمين ، رضي اللَّه عنهم أجمعين ! وعن تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ! . وإنّا كتبناه لكم - كتب اللَّه لكن اتّباعا إلى ما ينهى من المصالح إليكم ، واستماعا إلى ما يتلى من المواعظ عليكم - من حضرة إشبيلية ( 1 ) - كلأها اللَّه - . والذي نوصيكم به تقوى اللَّه تعالى والعمل بطاعته والاستعانة به والتوكَّل عليه ، وأن تعلموا أنا لم نقم هذا المقام الذي حفظ اللَّه به نظام الحق من انتثاره ، وأمدّنا بعونه الجميل على إحياء الدّين وإفاضة أنواره ، إلا لنستوفي كلّ نظر يعود على الأمة باستقامة أخراها وأولاها ، ونهيب بها إلى أسمى رتب السعادة وأعلاها ، ونوقظ بصائرها بنافع الذكرى من كراها . فعلينا لها بحكم ما تقلَّدناه من إمامتها ، وتحمّلناه من أمانتها ، أن نتخوّلها بالحكمة والموعظة الحسنة ، ونرشدها إلى المناهج الواضحة والسّبل البيّنة ، ونضفي على خاصّتها وعامّتها ظلّ الدّعة والأمنة ؛ وإذا كنّا نوفّيها تمهيد دنياها ، ونعتني بحماية أقصاها وأدناها ، فالدّين أهمّ وأولى ، والتّهمّم بإحياء شرائعه وإقامة شعائره أحقّ أن يقدّم وأحرى . وعلينا أن نأخذ بحسب ما نأمر به وندع ، ونتّبع السّنن المشروعة ونذر البدع ، ولها أن لا ندّخر عنها نصيحة ، ولا نغبّها ( 2 ) إرادة من الأدواء مريحة ، ولنا [ عليها ] ( 3 ) أن تطيع وتسمع ؛ وقد علم اللَّه أنا لم نتحمّل أمانة الإسلام ، لنستكثر من الدنيا وزخرفها ، ولم نتصدّ لهذا المقام ، لنستأثر بنعيمها وترفها ، وإنما كان قصدنا قبل وبعد إقامة الكافّة في أوثر قراها وأوطإ كنفها ؛ وبحسب هذه النية التي طابقها العمل ، ولم يتعدّها الأمل ، نيلت من الخيرات نهايات ، كانت الخواطر تستبعد منالها ، وتيسّرت

--> ( 1 ) إشبيلية Cevilla مدينة قديمة بالأندلس ، بينها وبين قرطبة مسيرة ثلاثة أيام ، ومن الأميال ثمانون . يذكر أهل العلم باللسان اللطيني ( اللاتيني ) أن أصل تسميتها « إشبالي » ومعناه « المدينة المنبسطة » . انتزعها الفرنجة من يد المسلمين سنة 646 ه . وتسمى أيضا « حمص » . ( انظر صفة جزيرة الأندلس : 22 - والروض المعطار : 58 - ومعجم البلدان : 1 / 195 ) . ( 2 ) أي لا نبعد عنها أو لا ندّخر عنها . ( 3 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .